يقع كثير من الشركاء في فخ الوهم القضائي وظلمة الفكر القانوني القاصر حين يظنون أن منصة القضاء محراب للتفتيش والتنقيب عن عثرات الإدارة، فيسارع الشريك إلى رفع دعوى محاسبة عامة ومطلقة ضد مدير الشركة، مطالباً بإلزامه بما قد يسفر عنه أي خطأ أو تحميله بديون مجهولة دون بينة أو حصر محكم. إن هذا المسلك لا يعبر إلا عن جهالة جسيمة بطبيعة العمل القضائي؛ فالقضاء التجاري جهة فصل في منازعات محددة وبينات واضحة ومطالب مقدرة، وليس جهة ترصّد ولا باحثاً نيابة عن المتقاضين، بل إن قيام المحكمة بمثل هذا العمل يخرجها تماماً عن مبدأ الحيدة المقررة شرعاً ونظاماً. لقد أبان القضاء في أحكامه الصريحة أن نظام الشركات لم يترك الشريك في عماء، بل رسم له مساراً واضح المعالم لصيانة حقوقه وحمايتها؛ حيث قرر للشريك غير المدير سلطة مطلقة في دخول مركز الشركة وفحص دفاترها وسجلاتها واستخراج موجز مالي يكشف حقيقة المركز المالي للكيان دون عائق، وجعل كل شرط يسلب هذا الحق أو يحده باطلاً بقوة النظام. هذا التمكين النظامي المسبق هو الأداة الوحيدة التي تمكن الشريك من وضع يده على مواطن الخلل، وتوجيه النصح وتوثيق الملاحظات، ليصوغ منها لاحقاً وقائع محددة لا تقبل الشك، لا أن يعطل مسيرة الشركة ويقلق استقرار المعاملات التجارية بخصومة استكشافية تؤثر سلباً على حركة التجارة ونموها. إن الاتكاء الأعمى على طلب ندب خبير محاسبي دون تحديد مكمن الطعن وماهية المطالبة ومقدار المبالغ يلقي بالدعوى حتماً في هوة عدم القبول؛ لأن الخبير ذاته لا يمكنه العمل في ظل جهالة نطاق المهمة، ومستنده الأساسي لن يعدو كونه الأوراق والميزانيات التي أتاح النظام للشريك الاطلاع عليها سلفاً. لذلك، فإن تحرير محل المحاسبة وتعيين سببها وتحديد المبالغ المطالب بها بوعي ودقة هو حجر الزاوية لقبول الدعوى، وبغير هذا الفهم والإعداد الواعي يظل الشريك يدور في حلقة مفرغة تقود إلى رد دعواه، ويبقى الخاسر الأكبر نتيجة جهله بسبيل الوصول إلى حقه.
هذا المقال مادة توعوية عامة، ولا يُعدّ استشارة قانونية ولا بديلاً عنها، ولا تنشأ بقراءته علاقة تعاقدية. لكل واقعة ظروفها الخاصة.